الخميس, تشرين2/نوفمبر 15, 2018
   
حجم الخط
خطأ
  • JUser::_load: Unable to load user with id: 63

نحو الحد من الجريمة

إسماعيل حمود الموشكي*

 

 

لا يمكن القضاء على الجريمة نهائياً لأنها موجودة منذ ميلاد البشرية، ومهما تضمنت التشريعات والقوانين عقوبات صارمة فلن تفلح في محو الجريمة من حياتنا لأنها باختصار ثمرة نوازع بشرية شريرة تنميها الأهواء والرغبات، وإذا كان الواقع يفرض هذه الظاهرة المرة فإن علينا أن نعمل جميعاً للحد من الجريمة في مجتمعنا بالموعظة الحسنة قال تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإلى جانب القوانين الرادعة والعقوبات الغليظة التي تطبقها المجتمعات على المجرمين فإن الأسرة مطالبة بغرس نوازع الخير في نفوس أبنائها وتنشئتهم على الأخلاق الحميدة والخصال الفاضلة وإبعادهم عن أصدقاء السوء ومراقبة سلوكهم وفتح قنوات الحوار معهم لرصد مشاكلهم وهمومهم وخاصة في فترة المراهقة التي تعتبر من أخطر المراحل للشاب والفتاة لأننا إذا فعلنا ذلك نكون قد أصلحنا الأسرة وبالتالي فإن المجتمع يصلح وهذا أفضل حل لأخلاق سليمة تفكر في بناء الوطن وتسعى لتقدمه.. فالثمرة الصالحة من التربة الصالحة ، لقد خصص الله سبحانه وتعالى لنا شرعاً ومنهاجاً في كافة أمورنا حين كلفنا بناء اقتصاد استقلالي للثروة والمال في قوله تعالى: (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ ...) (النساء:5) وروح عام يهيمن على كل فرد في الأمة، قول الله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ) (القصص:77) ولقد وعد الله العزيز الحكيم عباده المستضعفين بالتمكين في الأرض، قال تعالى:

(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) (القصص:5-6) .

ولقد تطرقت آيات الذكر الحكيم في سورة الروم إلى الفساد في الأرض، قال الله سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(9).

(ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)(10)

(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) (12)

(وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ)(13).

(ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(28).

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(41).

ولقد حظي علم الإجرام بالدراسة العلمية للجريمة كسلوك فردي وكظاهرة اجتماعية والجريمة هي الفعل الذي يحرمه القانون ويقرر له جزاء جنائياً ويعتبر (لمبروزو) رائد المدرسة التكوينية وأحد أقطاب المدرسة الوضعية الإيطالية ولقد أجري (لمبروزو) أبحاثه على (383) جمجمة لمجرمين (موتى) وحوالي (600) منهم على قيد الحياة مستخدماً المنهج التجريبي ولقد كان له الفضل في دراسة المجرم بعد أن كانت الدراسات تركز فقط على فعل المجرم في توجهه إلى الأسلوب العلمي الذي قامت عليه فحوصاته وأبحاثه والتي استخلصها في الآتي:

- الملامح الخلفية التي يتميز بها المجرمون هي العامل الاساسي والجوهري في تكوين السلوك الإجرامي.

- اعتبار سلوك ما جريمة أمر يتوقف على المجتمع الذي يجرمه ويصفه خاصة على قاعدة قانونية جنائية.

- فكرة الارتداد إلى البدائية الأولى وأن الإنسان المجرم وحش بدائي.

- توافر صفات وملامح عضوية أو مرضية معينة يتميز بها المجرمون عن غير المجرمين.

ولقد توالت النظريات من بعده وكانت نظرية دي توليو في التكوين الإجرامي قد صححت بعض الغلطات التي وقعت فيها النظرية اللمبروزية.

وجاء (دي توليو) بالاستعداد الإجرامي وعوامل اجتماعية تضعف بسببها مقاومة الشخص لرغباته ومشاعره فيندفع وقتياً إلى ارتكاب الجريمة وعلى ذلك فإن للجريمة عوامل عضوية واجتماعية فالاستعداد الإجرامي والبيئة تدفعان للجريمة ، ولقد كان الغرض من العقوبة في بداية عهدها إلى ما قبل الثورة الفرنسية بقليل هو الانتقام والثأر وكذلك الشأن بعد اتساع المدن وظهور الدول الحديثة وقد دفعت العقوبات القاسية كثيراً من المفكرين إلى المناداة بالحد من غلوائها وخاصة في القرن الـ(18) وظهرت المدارس العلمية التي تهتم بسياسة العقاب ، وفي المقابل من خلال النظرة الثاقبة لما منَّ الله سبحانه علينا من نعمة الإسلام حيث حرر العقل والنفس الإنسانية من الوثنيات من عبادة غير الله وحرر الفكر والإرادة والعمل ورفض استعلاء والوجدانيين والعقلانيين وقرر أن أبرز مفاهيمه هي المطابقة بين العقيدة والعمل والكلمة والسلوك أن مفهوم الأخلاق هي خلافنا الأساسي مع الفلسفات المادية وأن مفهوم التوحيد هو تميزها الأصيل عن الفلسفات الوثنية والإسلام يرى أن في الإنسان طبيعة الخير والشر وأن إيمانه بالله هو الذي يرده عن الشر وليس الإنسان عبداً لمواريثه أو لبيئته بل أنه قادر بالفهم لمهمته أن يحرر نفسه من كل الأخطار وكل موروث يمكن تغييره ولا تصد المواريث أو البيئة النفس الإنسانية عن التحرر والتغيير.

الإنسان المسلم يؤمن بأن إرادة الله وراء القوانين وهي التي تجعل الحسن حسناً والقبيح قبيحاً، الأخلاق في مفهوم الإسلام هي قوانين أخلاقية ثابتة يميز بها الحسن والقبيح والحلال والحرام والخير والشر.

إن أبرز مفاهيم الإسلام أنه لا انفصال بين الدين والحياة وبين الدنيا والآخرة وبين الروح والجسم وبين الواقع والمثال فالإسلام يرفض تمزيق الجبهة الفكرية بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع والدين ويؤكد بقاء كل العناصر في اتجاه واحد قوامه (وحدة النفس الإنسانية) إن أزمة القلق التي يعانيها المثقف المسلم اليوم إنما تعود إلى أصل واحد هو أنه ترك مقوماته الأساسية وقيمه في نفس الوقت الذي أخذ يواجه فيه النظريات والمذاهب العالمية ولو أنه التقى بالفكر الإسلامي وهو صادر من قيمه ومقيم على قاعدته لما وقع مثل هذا التمزق أو هذه الأزمة.

إن أبرز معطيات الشخصية المسلمة المختلفة هي قدرتها على معايشة الحضارات والثقافات المختلفة واستمرارها في مختلف الأزمنة والبيئات فهي قادرة على إجراء حركة التصحيح من داخلها ورد الشبهات ومقاومتها والمحافظة الدائمة على طابعها الإنساني وأصلها الرباني.

إن ميزة الشخصية المسلمة وخاصيتها التي تميزها عن مختلف الشخصيات العقائدية ومصدر قدرتها الفائقة على مجابهة كل التحديات والأخطار وعلة خلودها على الزمان، هو جمعها بين الحريات والضوابط وبين الفردية والجماعية وبين العلم والدين وبين العقلانية والوجدان وبين الروح والمادة وبين الوحي والعقل وبين الدنيا والآخرة وبين الغيب والشهادة وبين الثبات والتطور وبين الماضي والحاضر وبين المحافظة والتجدد وبين الإسلام والإنسانية. والخلاصة، فمهما وضع من تشريعات تحد من الجريمة مثل تفعيل القوانين واللوائح والأنظمة ومن ثم تفعيل اللوائح الجزائية التي تهذب من السلوك الإنساني وبالأخص الإطار التنظيمي لأسس وقواعد السلوك المهني للوظائف التخصصية للحد من الفساد الإداري والمالي في المجتمعات الحديثة فالسؤال الذي يطرح نفسه هو كيف يمكن تطهير النفوس التي اعتادت الفساد؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مدير عام العلاقات والتوعية القضائية

 


الصحيفة القضائية

 

كتابات


  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

نصوص قانونية توعوية


  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

 

 

معرض الفيديو

المتواجدون الآن

يوجد 251 زائر حالياً